صديق الحسيني القنوجي البخاري

91

أبجد العلوم

أعظم من حق الوالدين . ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم ، وإنما المعلم هو المفيد للحياة الأخروية الدائمة ، كما أن الوالد سبب الوجود الحاضر الفاني . والمراد معلم علوم الآخرة أو علوم الدنيا على قصد الآخرة لا على قصد الدنيا . فأما التعليم على قصد الدنيا فهو هلاك وإهلاك نعوذ باللّه منه . الثانية : أن يقتدي بصاحب الشرع فلا يطلب على إفادة العلم أجرا ولا يقصد به جزاء ولا شكرا ، بل يعلّم لوجه اللّه تعالى وطلبا للتقرب إليه ، ولا يرى لنفسه منة عليهم وإن كانت المنة لازمة لهم ، بل يرى الفضل لهم وثوابه في التعليم أكثر من ثواب المتعلم عند اللّه تعالى ، ولولا التعلم ما ثبت هذا الثواب فلا يطلب الأجر إلا من اللّه تعالى . الثالثة : أن لا يدع من نصح المتعلم شيئا ، وذلك بأن يمنعه من التصدي لرتبة قبل استحقاقها ، والتشاغل بعلم خفي قبل الفراغ من الجلي . ثم ينبهه على أن يطلب العلوم للقرب إلى اللّه دون الرئاسة والمباهاة والمنافسة ، ويقدم تقبيح ذلك في نفسه بأقصى ما يمكن فليس ما يصلحه العالم الفاجر بأكثر مما يفسده . فإن علم من باطنه أنه لا يطلب العلم إلا للدنيا نظر إلى العلم الذي يطلبه فإن كان هو علم الخلاف في الفقه والجدل في الكلام والفتاوى في الخصومات والأحكام فيمنعه من ذلك ، فإن هذه العلوم ليست من علوم الآخرة ولا من العلوم التي قيل فيها : تعلّمنا العلم لغير اللّه فأبى العلم إلا أن يكون للّه . وإنما ذلك علم التفسير وعلم الحديث وما كان الأولون يشتغلون به من علم الآخرة ومعرفة أخلاق النفس وكيفية تهذيبها ، فإذا تعلم الطالب وقصده الدنيا فلا بأس أن يتركه . الرابعة : وهي من دقائق صناعة التعليم أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن ولا يصرح ، وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ ، فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف ويهيج الحرص على الإصرار . الخامسة : أن المتكفل ببعض العلوم ينبغي ألا يقبح في نفس المتعلم العلوم التي وراءه كمعلم اللغة ، إذ عادته تقبيح علم الفقه ، ومعلم الفقه عادته تقبيح علم الحديث والتفسير ، وأن ذلك نقل محض وسماع بحت وهو شأن العجائز ولا نظر للعقل فيه ، ومعلم الكلام ينفر عن الفقه ويقول : ذلك فروع وهو كلام في حيض النسوان فأين ذلك من الكلام في صفة الرحمن . فهذه أخلاق مذمومة للمعلمين ينبغي أن تجتنب ، بل المتكفل بعلم واحد ينبغي أن يوسع على المتعلم طريق التعليم في غيره ، وإن كان متكفلا بعلوم فينبغي أن يراعي التدريج في ترقية المتعلم من رتبة إلى رتبة .